حسن الأمين
51
مستدركات أعيان الشيعة
عنها « آقا محمد خان » القنوات التي تمدها بالماء ، فأكتفي الأهالي بما لديهم من آبار وحفروا آبارا جديدة . وكان الكرمانيون يتوقعون قدوم نجدات من مدن كرمان الأخرى . ولكن انتظارهم طال حتى قطعوا الأمل . وكان « آقا محمد خان » يبعث المنادين ينادون ، بين الفينة والفينة من حيث يسمعهم الكرمانيون يعلنون بسقوط المدن والقلاع الكرمانية في يد [ حنده ] جنده واحدة بعد أخرى ، حتى خمدت معنوياتهم وتولاهم القنوط . ومع ذلك كانت كل هجمات « آقا محمد خان » على المدينة تنتهي به دائما إلى الانكسار لما كان يلقاه به « لطف علي خان زند » من شجاعة وثبات في الدفاع ، حتى إنه فكر مرارا في رفع الحصار عن المدينة والانصراف بجيشه عنها . وكان الكرمانيون لا ينفكون يسمعون « آقا محمد خان » وجنوده من فوق الأسوار ومن ورائها بالشتائم المقذعة . وأكثر ما كانوا يعيرون ب « آقا محمد خان » خصاؤه . فيكون لذلك وقع أليم شديد في نفسه ، وكل ما أوقعه بالكرمانيين من فظائع بعد أن تم له فتحها كان سببه الحقد الهائل الذي كان يبعثه في نفسه تعييرهم له بهذه العاهة . وبلغ من حساسيته من هذا الأمر أن رجاله وحاشيته كانوا يتحاشون كل كلمة وكل إشارة تفيد معنى الخصاء . وحزم « آقا محمد خان » أمره وعزم على القيام بعمل حاسم لفتح « كرمان » وتم له فتحها . ولكن المؤرخين لم يذكروا ، الخطة التي اتبعها « آقا محمد خان » حتى تم له الفتح . وكل ما ذكروه هو أن بعض أصحاب « لطف علي خان زند » خانه ، وأن الجوع والمرض قد هد قوى المحصورين . فكان ذلك سببا في استسلام المدينة للغازي . ولسنا ننفي وجود خونة بين رجال « لطف علي خان زند » . فوجود هؤلاء أمر مألوف معقول في كل حدث من مثل هذه الأحداث . ولكن الخيانة لا تكون فاعلة الا إذا ترتبت عليها ثورة وتمرد وتخريب . وهذا أمر لم يقع في جند « لطف علي خان زند » . بل ظل الناس ، بصورة عامة ، على ولائهم له . ومجرد نية الخيانة عند بعض رجال « لطف علي خان زند » لا يكفي لفتح أبواب « كرمان » في وجه « آقا محمد خان » . وكذلك تفشي المجاعة والموت بالجوع . هذا مع أن المجاعة اقتصرت على المدنيين . أما الجنود فكانوا يحاربون وهم شباع أقوياء . كان الخندق المحيط بالسور من أكبر العوائق التي تعرقل هجمات « آقا محمد خان » . ولذلك أمر بملء مواضع منه بالتراب حتى ساوت وجه الأرض ، وأصبحت ممرات يسهل عبورها إلى السور . وكانت خطته أن يسير أبراجا متحركة على هذه الممرات مع جنود يحملون سلالم وأكياسا من البارود ، فإذا وصلوا إلى أسفل السور نصبوا السلالم عليه ، وكان قليل الارتفاع ، وصعدوا إلى أعاليه فأحدثوا حفرا فيها وملأوها بالبارود وفجروها وخرقوا في السور مدخلا إلى المدينة . وقد نجح « آقا محمد خان » في إنفاذ هذه الخطة . وبديهي أن عدد من قتل من الطرفين في هذا الهجوم كان كبيرا . وكان أثر انفجار البارود شديدا اهتزت به النواحي المحيطة بالمدينة على مدى بضعة كيلو مترات منها . وانهارت بضعة منازل قريبة من السور . ودخل الجند القاجاري من هذه الثغرات إلى المدينة . وأمرهم « آقا محمد خان » بالمبادرة إلى إزالة ما وراء البوابات من صخور ودعامات ، وقتل كل إنسان يقع في طريقهم . وأمرهم باجتناب كل نوع من أنواع التعدي ما دام في المدينة مقاومة . فإذا توقفت المقاومة وألقى الناس سلاحهم أبيحت لهم الأموال ينهبونها والأعراض يهتكونها والرقاب يسترقونها ! خروج الخان الزندي من كرمان كان « لطف علي خان زند » من أول أمره ، قبل وصول « آقا محمد خان » إلى ولاية « كرمان » ، يرفض التحصن في مدينة « كرمان » ، ويرى مصلحته في محاربة خصمه في ميدان مكشوف . ولكن « جهانجير خان » وأنصاره الآخرين ما زالوا به حتى أقنعوه بالتحصن في المدينة إذ كانوا يتوقعون أن لا يقو « آقا محمد خان » على إدامة الحصار حين يحل فصل الشتاء ، وكان قريبا ، بسبب البرد الشديد الذي يقع فيها شتاء . ولما دخل جند « آقا محمد خان » إلى « كرمان » كان « لطف علي خان زند » في قلعتها . فبادر إلى الخروج منها مع حاشيته وحرسه الخاص . إذ كانت المقاومة فيها أمرا مستحيلا . وكل ما كان يرجوه هو أن يتمكن من الافلات من يد عدوه . وكان كل من معه من الحرس مائة رجل فقط ، في أصح الروايات . ووضع « آقا محمد خان » جائزة لمن يقبض على « لطف علي خان زند » حيا مقدارها عشرة آلاف تومان . وهي مبلغ ضخم يعادل أربعة ملايين فرنك فرنسي تقريبا من نقد اليوم . ومن جاء برأسه لا جائزة له . ولذلك تجنب كل الذين تعقبوه وقاوموه أن يصيبوه بالرصاص رجاء أن يقبضوا عليه حيا ويحصلوا على الجائزة . ولولا ذلك لاستطاعوا قتله ، وهم ألوف قادرون على صب وابل من الرصاص عليه من كل جانب . وكان « آقا محمد خان » يحرص على الإمساك به حيا ليستمتع بالنظر إلى تعذيبه أطول ما يمكن من الوقت . وكان يقول إن قتل « لطف علي خان زند » هو أهون عقوبة توقع به ، فهي لا تكفي لشفاء ما في صدري من حقد ، ولو استطعت إطالة مدة تعذيبه مائة عام لفعلت ! وكان جند « آقا محمد خان » يسيطرون على كل ممر في المدينة . وبوابات السور لا تزال مسدودة . والخندق المحيط بالسور يتعذر على الهارب اجتيازه . ولا منفذ ل « لطف علي خان زند » إلى الخارج غير الثغرة التي أحدثها الانفجار في السور . ولا وسيلة لاجتياز الخندق غير ذلك الجزء منه الكائن وراء الثغرة الذي سبق أن ملأه « آقا محمد خان » بالتراب حتى ساوي الأرض وعبر عليه إلى السور . وانطلق « لطف علي خان » على حصانه « غران » يشق الصفوف وحوله حرسه المائة يحمونه بأنفسهم حتى قتلوا دونه كلهم لم يسلم منهم أحد . وكانت استماتتهم في الدفاع عنه من روائع أعمال الوفاء . كان « لطف علي خان زند » يهجم على المحاربين المجربين شاهرا سيفه ، وهو يصيح : أنا لطف علي خان زند تابع الشيخ الشبستري ! ( 1 ) . توفي « الشيخ محمود الشبستري » في النصف الأول من القرن الهجري الثامن .
--> ( 1 ) كان « لطف علي خان زند » من أهل الثقافة والمعرفة ، وينظم الشعر . وكان معجبا بالعارف « الشيخ محمود الشبستري » مطلعا على أحواله وأخباره ويقتني مؤلفاته